خليل الصفدي

240

أعيان العصر وأعوان النصر

حسن العبارة ، جميل الشارة ، لطيف الإشارة ، لم يزل إلى أن حنّ الموت إلى ابن حنّا ، وجعل جسده في البلى شنّا . وتوفى - رحمه اللّه تعالى - في عاشر جمادى الأولى سنة أربع وعشرين وسبعمائة ، ودفن عند أهله بالقرافة ، وكان في عشر الأربعين . 195 - أحمد بن محمد بن إسماعيل الإربلي « 1 » الشيخ شهاب الدين المعروف بالتعجيزي ؛ لأنه كان يحفظ التعجيز ، وحفظ شيئا من الحديث وعلومه ، ومعه خطوط الأشياخ بذلك . كان نوعا غريبا ، وشخصا عجيبا ، وعقله أعجب من كل عجب ، وشعره كما قيل في المثل : « ترى العجب في رجب » ألفاظ لا يقدر الفاضل الذكيّ على أن يأتي لها بنظير ، ولا يتكلّف البارع النحرير « 2 » على أن يجيء بمثلها إلّا إن كان في باشة وزنجير ، شعر في غير الوزن ، وألفاظ ما تحدّث بها أهل سهل ولا حزن ، فإذا أنصف العاقل ، وفكّر فيه جدّ الفكرة ، علم أن هذا في الوجود فذّ ، وهو مما ندر وجوده في العالم وشذّ ، وهذا لو لم يكن طباعا منه بلا تكلّف ، وسجيّة يوردها على رسله من غير تخلّف ، لقدر الفضلاء على محاكاته ، وتكلّفوا المشابهة له في بعض حركاته ، هذا مع صورة جلّ من خلقها ، ولحية ما ظلم من أخذ الموسى وحلقها ، رأيته مرات عديدة ، ولقيته في مظاهر جديدة ، فما كنت أقضي العجب من كلامه ، وأتطفّل على سلامه . ولم يزل على حاله إلى أن مرض مرضا طويلا ، وبقي مدة يرى عليلا ، وهو مع ذلك يتحامل وينعكس ويتخامل ، فأصبح وما أمسى ، وبطل من كلامه ما كان جهرا وهمسا . وتوفى - رحمه اللّه تعالى - في الثالث عشر من شعبان سنة ثمان وعشرين وسبعمائة . أنشدني من لفظه الشيخ الإمام العالم العلّامة صلاح الدين العلائي قال : أنشدنا التعجيزي لنفسه : ( البسيط ) وفي القيامة في الأعراف منقعد * وانتظر منكم من يدخل الجنّة فإن دخلتم فإنّي داخل معكم * وإن صفعتم فإنّي قاعد سكت ومعنى هذه الأبيات أنه قال : يا أهل السنّة ويا شيعة ، أنا في أمري بينكم متوسط لا

--> ( 1 ) انظر : الدرر الكامنة : 1 / 655 ، وابن خلكان : 1 / 29 ، والنجوم الزاهرة : 3 / 300 ، والبداية والنهاية : 11 / 222 ، وأبناء الرواة : 1 / 101 ، وآداب اللغة : 2 / 182 . ( 2 ) النحرير : بوزن المسكين العالم الفصيح المتقن للعلم . ( انظر : مختار الصحاح : 1 / 270 ) .